الثعلبي
249
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
ابن موسى عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت ملوك بعد عيسى ( عليه السلام ) بدّلوا التوراة والإنجيل . وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ويأمرونهم بتقوى الله سبحانه ، فقيل لملكهم : لو جمعت هؤلاء الذين شقّوا عليكم وآذوكم فقتلتموهم ، أقرّوا بما نقرّ به ، ودخلوا فيما نحن فيه . فدعاهم ملكهم وجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل . إلاّ ما بدّلوا فيها ، فقالوا : ما تريد منّا ؟ نحن نكفيكم أنفسنا . فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم اعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نردّ عليكم . وقالت طائفة أخرى : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونسرب كما تسرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا . وقالت طائفة منهم : ابنوا لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرِد عليكم ولا نمرّ بكم . وليس أحد من أولئك إلاّ له حميم منهم ، ففعلوا ذلك بهم فمضى أولئك على منهاج عيسى ، وخلف قوم من بعدهم ممّن قد غيّر الكتاب ، فجعل الرجل يقول : نكون في مكان فلان فنتعبّد كما تعبّد فلان ، ونسيح كما ساح فلان ، ونتّخذ دوراً كما اتّخذ فلان ، وهم على شركهم ، ولا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم ، فذلك قوله سبحانه : " * ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله ) * ) . قال : ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حقّ رعايتها ، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم ، " * ( وآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) * ) يعني الذين : ابتدعوها " * ( وكثير منهم فاسقون ) * ) : الذين جاؤوا من بعدهم . قال : فلمّا بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ( عليه السلام ) ولم يبق منهم إلاّ قليل ، انحطّ رجل من صومعته ، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره ، وآمنوا به وصدّقوه فقال الله عزّ وجلّ : " * ( يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا برسوله ) * ) محمّد ( عليه السلام ) * * ( يؤتكم كفلين من رحمته ) * ) قال : أجرين ؛ لإيمانهم بعيسى والإنجيل وإيمانهم بمحمّد والقرآن ، " * ( ويجعل لكم نوراً تمشون به ) * ) يعني : القرآن " * ( لئلاّ يعلم أهل الكتاب ) * ) الذين يتشبّهون بهم " * ( أن لا يقدرون على شيء من فضل الله ) * ) إلى آخرها . وقال قوم : انقطع الكلام عند قوله : " * ( ورحمة ) * ) ثم قال : " * ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) * ) ؛ وذلك أنّهم تركوا الحقّ ، وأكلوا لحم الخنزير ، وشربوا الخمر ، ولم يتوضّؤوا ولم يغتسلوا من جنابة ، وتركوا الختان ، " * ( فما رَعَوها ) * ) يعني : الطاعة والملّة " * ( حقّ رعايتها ) * ) . كناية عن غير مذكور . " * ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) * ) ، وهم أهل الرأفة والرحمة " * ( وكثير منهم فاسقون ) * ) ، وهم أهل الرهبانية والبدعة ، وإليه ذهب مجاهد . ومعنى قوله : " * ( إلاّ ابتغاء رضوان الله ) * ) : وما أمرناهم إلاّ بذلك وما أمرناهم إلاّ بالترهّب ، أو يكون وجهه : إلاّ ابتغاء رضوان الله بزعمهم وعَنَدهم ، والله أعلم . " * ( يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ) * ) محمّد ( عليه السلام ) * * ( يؤتكم كفلين ) * ) : نصيبين " * ( من رحمته ) * ) ؛ لإيمانكم بالأوّل وإيمانكم بالآخر .